dimanche 30 mars 2008

لقاء وحوار مع الشاعر والكاتب المغربي عزيز العرباوي :

استطلاع يجريه : حيدر عبد الرحمن الربيعي




هل ما زالت القصيدة تلعب دورا مؤثرا عند القارئ العربي ؟


+ لا يمكننا أن نبخس الشعر حقه في أي زمان كان وبالأحرى في هذا الواقع العربي المر والذي يعيش العرب فيه أحلك أيامهم ، فالشعر تكون أهميته في حياة الناس وفي حياة المجتمع عموما ، فمن خلاله يؤرخ المجتمع لما يقع فيه من أحداث ومن تفاعل بين مكوناته البشرية ...
لقد كان الشعر ديوان العرب ومازال كذلك اليوم وهذه الحمية التي نراها على الشعراء العرب اليوم من خلال تطرقهم لمواضيع الساعة والكتابة عن الأحداث السياسية والاجتماعية ونقد الواقع المعاش في العالم العربي يوضح بجلاء أهمية الحفاظ على الشعر والدفاع عنه أمام كل الزوابع التي تريد نفيه من واقع الثقافة العربية عموما .

وهل وصلت المرأة بالتعبير عن ذاتها في القصيدة ؟

+ بالطبع نرى أن هناك تفاعل للشاعرة العربية وتأثيرا شعريا واضحا في الواقع الأدبي والشعري العربي من خلال نهجها لقصيدة الجمال والرقة والواقعية ... تجربة المرأة الشاعرة واضحة للعيان فمن خلال قراءة أي قصيدة تستطيع إذا كنت قارئا متميزا للشعر العربي أن تتبين أن القصيدة أنثوية أي قد كتبتها امرأة شاعرة بنفس شعري متميز ..
في الحقيقة أحب أن أقرأ الشعر الذي يكتب بقلم الشاعرة لأنه شعر يتميز بنبرة أدبية متميزة وواضحة في مقاربة الموضوع الذي تكتب عنه الشاعرة . ولذلك فقدرة المرأة الشاعرة اليوم على مقاربة الكثير من المواضيع التي كانت حكرا على الرجل قبل عقود فقط أصبح بمقدورها أن تعتد بنفسها شاعرة في الوجود الأدبي والثقافي العربي بعيدا عن المنع والرقابة الذكورية ...

· ما الفرق بين شعراء العراقيين بين الداخل والخارج .؟ أو الشعراء العرب المغتربين ؟

+ لا يمكننا أن نتبين الفرق بين الإثنين من خلال فقط الرؤية والقراءة السريعة لما يكتبون بل رؤيتنا لهذا الفرق لا بد أن ينبع من منطلق ما يعانيه كل طرف في واقعه الاجتماعي والسياسي والثقافي . فالشاعر ابن بيئته ولذلك فبقراءة بسيطة للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي العراقي يمكننا أن نقول بأن الشاعر العراقي في الداخل يعيش حياة صعبة هذه الصعوبة تؤثر على إبداعاته الشعرية من خلال مناقشة مواضيع سياسية بامتياز بعيدا عن باقي المواضيع الجمالية التي غالبا ما يطرقها الشعر العربي عموما .
وهذا لا ينطبق فقط على الشاعر العراقي بالداخل فحتى الشاعر العربي عموما سواء كان معتربا أو في بلده يعيش بين أفراد وطنه فما يعانيه من واقع سياسي واقتصادي خطير يجعله يكتب بأسلوب مختلف عما كان يكتب به الشاعر العربي منذ زمان . فالنسيب والغزل والحب والعشق كلها مواضيع أصبحت مواضيع تبتعد عن تفكير الشاعر العربي المكتوي بواقع الحياة العربية ، بل صار الشاعر العربي يمارس شعر السياسة بامتياز وحتى لو تطرق لموضوع الحب والغزل فإن قصائده في هذا الموضوع غالبا ما نجدها تنحو في رؤيتها إلى النقر على وتر السياسة فيختلط الغزل بالسياسة ليفقد الشعر تلك النبرة الجميلة التي كان يعرفها في زمان شعر النسيب والغزل والمدح ....


· ما هو الفارق بين الشاعر والشاعرة في القصيدة ؟
+ كالفرق بين الرجل والمرأة ، وكالفرق بين الأنثى والذكر ، ولذلك فالشعر عند المرأة شعر يبتعد ما أمكن عن بعض الأمور التي تجعله شعرا معقدا في رؤيته ومواضيعه المطروقة وأساليبه المختلفة عن ما يكتبه الرجل الشاعر الذي يفتقد اليوم إلى رؤية شعرية تبتعد عن شعر الإحساس الآني والمشاعر الإنسانية الموغلة في العاطفية المفرطة التي تقتل جمالية الشعر كما نجده عند المرأة ...
وهذا يجعلنا نقول بأن الشعر النسائي ( مع التحفظ على التصنيف لأنني ضده ) هو شعر رقيق وموغل في الشاعرية الراقية والدافئة ، وبذلك فالشعر عند الرجل يجعلك تستحضر مجهودا كبيرا في فهم قصيدته وشعره عموما ، لأنه يذهب إلى جعل شعره مفعما ببعض الإشارات الفنية الصعبة على الفهم السريع والمفاهيم المتعارف عليها .


· وهل ما زال السجال الشعري موجود في الأدب ؟

+ لا بد أن نحدد أولا ماذا نعني بالسجال الشعري في الأدب العربي ، هذا السجال الذي يقود لا محالة إلى صراع أدبي لا جدوى منه اليوم لأنه لا يقدم ولا يؤخر في هذا الجنس الأدبي ، لأنه ببساطة نرى أن هذا السجال لم يغير من رؤية الشاعر العربي عموما حول الشعر وكيفية التعاطي معه واختيار الأسلوب الشعري الذي يريد الكتابة به . فكل أسلوب له ما يبرر وجوده وحفاظه على الوجود داخل الثقافة والأدب ، ولذلك فهذا السجال الذي بدأ يشق طريقه إلى الاضمحلال والذي عمر طويلا بفعل الصراع الأدبي الذي بدأت بوادره تتجلى في خمسينيات القرن الماضي بحكم ظهور نوع جديد من الشعر العربي وهو الشعر الحر ثم بعد ذلك قصيدة النثر والتي استطاعت أن تجد لنفسها مساحة كبيرة للتواجد وفرض وجودها بقوة الحرية التي تنعم بها في اسلوب كتابتها وجو الحرية الذي وجد الشاعر العربي نفسه فيها ليكتب قصيدة تقيه شر الوزن والقافية ، وهذا يجعلنا نقول بأن هذا السجال بدأ يذهب إلى مزبلة التاريخ وهذا منتهى أملنا ...


· هل الأدب إبداعي أم منفعي .؟

+ في عرف الأديب العربي لا نجد هذه الرؤية التي تقول بأن الأدب نفعي وبراغماتي ، بل نجد الأديب يكتب من أجل أن يجد لنفسه مساحة ممكنة لفرض رؤيته الأدبية والفكرية بوسيلة حضارية تتجلى في كتابة الأدب من كل الأجناس المعروفة . ولذلك فمن يقول بأن الأدب نفعي فهو ناقم على الأدباء وعلى الثقافة عموما .
ولا توجد أي وقائع تعطي اليقين على أن الأدباء قد حققوا ثروة كبيرة من خلال إبداعاتهم وإنتاجاتهم الأدبية ، فخلافا للفن والموسيقى فالأدب لا يخلق أغنياء وخاصة في عالمنا العربي مطلقا . فحتى لو راينا ووجدنا بعض الأدباء العرب قد أصبحوا في حالة ميسورة فهذا لا يعني أن الأدب هو وراء ذلك الغنى ، لأنه بكل بساطة لا يمكن أن يغتني الأديب في مجتمع لا يستهلك من الكتاب المنشور لهذا الأديب أو ذاك حتى ولو كان مشهورا بما فيه الكفاية ببعض الآلاف من النسخ ...


· ما هي الرؤية التي يريد أن يوصلها الشاعر والأديب للقارئ ؟
+ لا يمكننا أن نحدد لكل الأدباء والشعراء رؤية وحيدة وواحدة من خلال مشروعهم الأدبي ، فكل أديب له رؤيته وله اقتناعاته الفكرية والثقافية والأدبية والسياسية والدينية التي يدافع عنها في شعره وأدبه ، ولذلك يصعب على أي قاريء للواقع الشعري والأدبي عموما في العالم العربي أن يتبين رؤية الأدباء العرب في بوتقة واحدة ويجعلهم ضمن رؤية واحدة يدافعون عنها في كتاباتهم ...


· وما هي الصور الدالة والمؤثرة في الأدب عامة ؟

+ قد نجد العديد من الصور الدالة في الأدب عامة من خلال قراءتنا لبعض التجارب الأدبية في عالمنا العربي فنجد أغلبها تنحو إلى الصور التي تتمنطق ضمن الأحداث السياسية وتتفاعل مع ما يقع في العالم العربي من أحداث سياسية واجتماعية وثقافية ودينية ، فالدفاع عن الوطنية والدين والقيم والأخلاق والحب والغزل والروح الفكرية هي أغلب الصور التي نجدها في الأدب العربي خاصة .
إن الشاعر والأديب الذي لا يتفاعل مع ما يقع في عالمه ومجتمعه ويتأثر بوضع بلاده وأهله ليس شاعرا حقيقيا ، ولذلك فإننا كثيرا ما نسمع على لسان الناس في الشارع أو في المقاهي وهم يتحدثون عن الشعر والأدب عموما بأنه بدأ يفقد بريقه وتاثيره في هذا القاريء انطلاقا من خلق أدب مستهجن لا يتفاعل مع قضايا أمته وأهله ...


· الحداثة والقدم مصطلحات كثر تداولها – ولها صور شتى – ماهي الصور الأدبية العامة التي تتوافق مع كلا المرحلتين ؟ مثال على ذلك من قصة أو قصيدة أو رواية – وماهي وجهة نظرك العامة حول هذه الظاهرة ؟

+ هذان المصطلحان أصبحا الملجآن الوحيدان للبعض من الأدباء العرب البحث فيهما عن منفذ لتمرير فشلهم في بعض إبداعاتهم المختلفة ، ولذلك فالحداثة ليست مجرد كلمة وعبارة بسيطة يمكن من خلالها فرض التواجد الأدبي لكل أديب وكاتب كيفما كان . والقدم كذلك لا يمكنه أن يكون منفذا لبعض الكتاب الذين يتشبثون بأساليب أدبية عفى عنها الزمن ولا يستطيعون التجديد في كتاباتهم أن يرفعوا من أسهمهم في سوق القراءة والاهتمام .
فالشعر العمودي الذي مازال يكتب به البعض من الشعراء العرب والذين لم يستطيعوامطلقا – إلا القليل منهم – أن يغيروا من الاسلوب الذي كان يستعمله الشاعر العربي القديم لا يعقل أن يكون منفذا لفرض حضورهم الأدبي في الساحة . فما هو قديم قديم وما هو حداثي حداثي .
إن التجديد الأدبي يفرض علينا أن نغير من نهج أسلوب الكتابة القديم ، وهذا التجديد يبقى معبرا لتغيير الرؤية التي يحافظ عليها العديد من الأدباء العرب وكأن السلفية غزت الأدب أيضا .
هناك الكثير من التجارب التي تعاطت للحداثة الأدبية في الشعر مثلا نجد تجربة نزار قباني ونازك الملائكة وأدونيس .... وووغيرهم ...


· هل موضوع الحداثة والقدم له اثر في الإبداع ؟

+ بالطبع له أثر في الابداع وإلا فما جدوى الأدب أصلا إن لم يكن يغير الواقع واليتأثر بكل جدة وجديد . فالأدب يستقبل الحداثة مثله مثل الإنسان ولذلك فهو مرتبط بالناس والبشرية منذ زمان .
الابداع الذي لايضع نصب عينيه هذه القضية ليس أدبا وإنما هو تعبير مختلف عنه وبمجرد قراءته تستطيع أن تتبين مذى ارتباطه بالحداثة والقدم .

بلاغ إخباري حول الوضعية الصحية للمناضل محمد بوكرين :

حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي
الكتابة الوطنية

بلاغ إخباري حول الوضعية الصحية للمناضل محمد بوكرين

- تخبر الكتابة الوطنية لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، بأن المناضل الطليعي محمد بوكرين المعتقل بالسجن المدني ببني ملال، يوجد في وضعية صحية حرجة بسبب عدة أمراض آلمت به ومن ضمنها الضغط الدموي...
- وترجع أسباب الأمراض إلى ظروف الاعتقال السيئة من ناحية، ونوعية العلاج من ناحية أخرى. حيث اكتفت إدارة السجن، بعد إلحاح كبير على مجرد تقديم مسكنات إلى الأخ بوكرين، وإلى عرضه على طبيب السجن الذي اكتفى بوصف بعض الأدوية، مع أن الأمر يتطلب نقله الفوري إلى المستشفى قصد إجراء الفحوصات الطبية الضرورية له من قبل أطباء مختصين وتقديم العلاجات المتطلبة له..
- وأن الكتابة الوطنية لتحمل وزارة العدل، التي تتبعها مديرية السجون، كامل المسؤولية عما آلت إليه صحة محمد بوكرين من تدهور، وعما يمكن أن ينتج عن عدم نقله العاجل إلى المستشفى والتأخر في تقديم العلاج الضروري والجيد إليه من نتائج خطيرة...
- وبهذه المناسبة نذكر بأن الأخ محمد بوكرين سبق اعتقاله في 6 يونيو 2007 بسبب مشاركته في وقفة احتجاجية تضامنية مع معتقلي فاتح ماي، حيث حكم عليه ابتدائيا بسنة حبسا نافذا رفعت، من قبل محكمة الاستئناف ببني ملال، إلى ثلاث سنوات بمقتضى حكم صادر في 9 غشت 2007 وهو الحكم الذي نقض من طرف المجلس الأعلى في 6 فبراير 2008، الأمر الذي سيقتضي إعادة محاكمته من قبل محكمة استئناف ببني ملال وهي مشكلة من هيئة أخرى...

- وأن الكتابة الوطنية، إذ تخبر الرأي العام بكل ذلك، لتطالب ب:
- تأمين العلاج الفوري والجيد للأخ محمد بوكرين.
- وإطلاق سراحه عاجلا.
- وتأمين المحاكمة العادلة له ولرفاقه بنفس الملف.
- كما تجدد مطالبتها بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والتعبير.



الكتابة الوطنية
الرباط في 22 مارس 2008

حوار مع الأديب والاعلامي عدنان ياسين : أجراه مصطفى لغتيري :

حوار مع الأديب و الإعلامي ياسين عدنان

نظم الصالون الأدب – فرع مراكش - يوم السبت 15مارس 2008 نشاطا ثقافيا كبيرا ، تحت عنوان "ملتقى الحمراء للشعر و الشعراء" ، حضره عدد كبير من الشواعرو الشعراء من مدن مغربية مختلفة ، كما ألقيت خلال هذا الملتقى مداخلات نقدية، انصبت على التجربة الإبداعية للأديب و الإعلامي ياسين عدنان ، احتفاء به و بالجيل الذي ينتمي إليه ، وقد كان لنا على هامش الملتقى هذا الحوار مع المحتفى به.

حاوره مصطفى لغتيري.


1- المبدع المتعدد ياسين عدنان ، ما هي انطباعاتك حول التكريم الذي خصك به الصالون الأدبي- فرع مراكش؟
- كان هذا الاحتفاء فرصة فاتنة لكي أستمع لعدد من الأصوات الجديدة التي تلت كوكبتنا نحن. أصوات يؤكد بعضها فعلاً أن الدينامية الشعرية الجديدة في المغرب لا تزال قادرة على اقتراح المزيد من التجارب القوية. أيضاً أن تجد نفسك محاطاً بأجمل شعراء مراكش من مختلف الأجيال أمر آسر جداً. لذا لا يمكنني إلا أن أشكر الأصدقاء في الصالون الأدبي على هذا الملتقى الشعري الذي يجب أن ينتظم ويشتغل في كل دورة على اسم شعري جديد نتحلق حوله ونتأمل في تجربته. والأكيد أن مثل هذه اللقاءات، والجانب النقدي منها بالخصوص، سيتيح لنا فرصة تقييم المنجز الشعري المغربي الجديد وأهمية إضافاته.

2- خلال هذا التكريم انصبت مداخلات النقاد حول تجربتك الشعرية والقصصية. هل استطاعت هذه المداخلات ملامسة العالم الإبداعي لياسين عدنان؟
- فعلاً، لقد فتح الأصدقاء الذين شاركوا في الندوة الصباحية حول تحولات الشعرية التسعينية أكثر من شرفة على خيمتي الإبداعية. فمن الممتع، والمفيد أيضاًً، أن يرى المرء وجهه الأدبي في مرايا الأصدقاء. وأعتقد أن ما نفتقده في المغرب هو هذا الحوار ما بين الشعراء والنقاد. فالمفروض أن يتكرس هذا الحوار كتقليد وتتيح له المنابر الثقافية والأدبية وكذا الإطارات والجمعيات الثقافية والأدبية المزيد من الفرص ليترسخ. فكل المداخلات التي قدمت في الندوة كانت بالنسبة لي مضيئة وعميقة وسأستفيد منها بالتأكيد.

3- ما هي الإضافات التي تشعر أن جيلك أضافها إلى المتن الشعري المغربي الحديث؟
- هل أقول قصيدة النثر؟ هذا هو عنوان الجيل والمرحلة. لكن حتى قصيدة النثر لا تكفي في الواقع لتأطير ما اصطخب في الساحة طوال العقد التسعيني. فالانشغال الأهم لشعراء هذه التجربة في اعتقادي هو البحث عن لغة تتوسّل الكتابةَ أسلوباً للوجود عبر لغة أضحت لغة كينونة في المقام الأول، لغة يتمرأى فيها العالم والوجدان إذ هي جسرُ الشاعر نحو ذاته وشرفته الأثيرة على العالم. هذا الرهان بالضبط هو ما جعل الشعراء التسعينيين ينفتحون على قصيدة النثر ليس لاقتناعهم التام بها كشكل فني، وإلا فإن الاختيار سيكون ضيقاً. وإنما بسبب الممكنات الجديدة التي يتيحها هذا الشكل على مستوى اللغة والتخييل. فالشعراء الجدد، حتى من كتب منهم مثلي قصيدة التفعيلة في السابق، لم يعودوا قادرين على ترتيب الفوضى، لذا فضلوا الانطلاق عبر المساحات التخيلية واللغوية والإيقاعية الرحبة لقصيدة النثر باعتبارها الأقدر على استيعاب انفعالاتهم، انفلاتاتهم، وتصدُّعاتهم أيضاً. وعموما، فمن خلال الانفلاتات القوية التي حققها عدد من شعراء هذا الجيل صار للشعر المغربي إشعاع أكبر في المشهد الشعري العربي وذلك حتى قبل أن يبلغ الانفتاح مداه مع ظهور الانترنت.

4- مراوحتك بين الشعر والقصة، ألا يطرح أي إشكال إبداعي بالنسبة إليك؟
- على العكس، فأنا أستمتع بخيانة القصيدة مع القصة وخيانة القصة داخل خدر القصيدة. المهم بالنسبة لي هو أنني لا أتجرد من الشاعر تماما حينما أكون بصدد مراودة قصة ما عن تفاصيلها. كما أن هناك الكثير من السرد في ما أكتب من شعر. وعموما فنصوصي الأولى زمن اليفاع كانت قصصاً رغم أن أول إصدار لي كان ديوانا شعرياً.

5- توّج برنامج مشارف الذي تعده وتقدمه على شاشة القناة (الأولى) المغربية كأحسن برنامج ثقافي لهذه السنة. ماذا يمثل بالنسبة إليك هذا التتويج؟
- إنه محفّز آخر على المزيد من الإنصات إلى تحولات الساحة الثقافية وديناميتها. لدينا بلد غني ثقافيا رغم ضعف مؤسساته. وأنا حريص على أن ألتقط هذا الغنى والتعدد الذي يزخر به المغرب الثقافي. لهذا أتنقل من حلقة إلى أخرى بين مختلف الأجناس الأدبية والأصناف الفنية والمشارب الفكرية، وكذا مختلف الأجيال والحساسيات ولغات الكتابة. إنني حريص ما استطعت على ألا أقصي أية حساسية فكرية وثقافية من مشارف. وحريص على أن أضع البرنامج رهن إشارة كل من له تصور ثقافي أو وجهة نظر ثقافية جادة في هذا البلد حتى وإن اختلفتُ معها. ربما هذا الرهان هو الذي جعل البرنامج يُحتضن بهذا الشكل من طرف المثقفين ورجال الإعلام.

6- ما تقييمك للوضع الثقافي في هذا البلد؟
- مثلما قلت لك، لدينا دينامية مهمة، لكن المؤسسات الثقافية ما زالت عاجزة عن مواكبة كل هذا الحراك. لنأخذ مجال النشر والكتاب كمثال على ما نقول. ستلاحظ أن لدينا حركة تأليف قوية في بلادنا، لكن بنية النشر والتوزيع غير قادرة على استيعاب كل هذا الزخم. وهو ما جعل الواقع الثقافي المغربي يفرز ظاهرة شاذة هي ظاهرة المؤلف الناشر الذي يطبع كتابه على نفقته ويوزعه بشكل اعتباطي ويوزع العديد من نسخه بالمجان على الأصدقاء. نفس الشيء قد نقوله على باقي مجالات الخلق والإبداع. نحتاج فعلا إلى مؤسسات، ونحتاج إلى أن نتشبع جميعا في هذا البلد بأهمية الثقافي وأولويته. وما لم تحصل هذه القناعة لدى كل من الدولة والمجتمع على السواء، فسيبقى التخبط سيد الميدان مع الأسف.

7- في برنامج مشارف دأبت على تقديم الإصدارات الجديدة، كيف تشخص وضعية الكِتاب في المغرب؟
- وضعية صعبة جداً ارتباطاً بما تحدثت عنه سابقا بخصوص واقع النشر والتوزيع في بلادنا. وعموماً دعني أخبرك أن 90 في المائة من الكتب التي أعلن عنها تصلني من مؤلفيها وليس من الناشرين. تخيل أن الناشر المغربي - باستثناء ناشرين أو ثلاثة- لا يبعث إصداراته لتلفزيون بلده الذي يخاطب قراءه المفترضين وزبناءه المحتملين والذي يوفر له عبر مشارف لحظة دعاية غير مدفوعة الأجر. لذا يضطر الكاتب إلى أن يقتطع من النسخ القليلة التي يحصل عليها من الناشر ويبعث للصحافة الوطنية والتلفزيون نيابة عن هذا الأخير. أحياناً أقتني بعض العناوين بنفسي حينما أقدر أنها مهمة وأبادر إلى اقتراحها على القراء دون أي تنسيق مسبق لا مع الكاتب ولا مع الناشر. الكتاب لا يزال غريبا في هذا البلد ويحتاج منا إلى المزيد من الاحتضان لكي نخرجه من عزلته الباردة.

samedi 29 mars 2008

تسونامي " كتاب جديد لمصطفى لغتيري :

تسونامي كتاب جديد لمصطفى لغتيري


ضمن سلسلة إصدارات الصالون الأدبي ،صدر للكاتب المغربي مصطفى لغتيري عن منشورات أجراس مجموعة قصصية جديدة ، اختار لها كعنوان "تسونامي". وتتضمن المجموعة ين دفتيها اثنتين و خمسين قصة قصيرة جدا ، نذكر منها عدالة والموت و إنفلوانزا و نكاية ونقرأ في قصة تسونامي ما يلي :"هنالك في ذيل القارة السوداء، جاء الغرباء، وطفقوا بلا هوادة، يدهنون الذيل بطلاء أبيض،فاقع لونه..
من مكانها على مقربة من رأس الرجاء الصالح،رأت موجة سوداء ما حدث ،فثارت غاضبة ..انطلقت من عقالها..اكتسحت الذيل،فجرفت ذلك الطلاء الأبيض."
كما نقرأ على ظهر الغلاف قصة قصيرة جدا تحمل عنوان "حرية" و جاء فيها"مدججين بعتادهم الحربي،تقدم الإسبان نحو جبال الريف المنيعة.. بعد محاولات عدة للاختراق، نكصوا على عقبيهم مندحرين..
حينها فقط ،أدركوا أن الحرية ليست بالضرورة،امرأةشقراء، ذات عينين زرقاوين".
ويتضمن الغلاف كذلك سيرة ذاتية للكاتب جاء فيها:
مصطفى لغتيري
حاصل على:
- جائزة النعمان الأدبية من لبنان في القصة القصيرة.
- جائزة ثقافة بلا حدود من سوريا في القصة القصيرة جدا.
- تنويه جائزة دار الحرف من المغرب في الرواية.

الإصدارت
-هواجس امرأة – مجموعة قصصية- منشورات وزارة الثقافة2001
-شيء من الوجل- مجموعة قصصية- دارالقرويين2004
-مظلة في قبر-قصص قصيرة جدا- منشورات القلم المغربي2006
- رجال وكلاب- رواية- منشورات أفريقيا الشرق 2007
- رقصة العنكبوت –رواية- منشورات دارالحرف2007.
_,___

vendredi 28 mars 2008

ليس دفاعا عن معرض القاهرة للكتاب : محمد شكري يفتح الجدل من جديد :

:أعاد القائمون على المعرض الدولي للكتابا بالقاهرة المصرية الجدل حول منع روايات الكاتب المغربي الراحل محمد شكري ، بحيث حطم المعرض الرقم القياسي في المدة التي لحقت روايات الكاتب المغربي فاقت ثلاثة عقود . لقد شكلت روايات وكتابات محمد شكري نقاشا حادا بين العديد من النقاد والكتاب العرب في كل البلاد العربية لأن هذه الكتابات عرف عنها جرأتها ودخولها عالم المحظورات في التعاطي مع الكتابة في عالمنا العربي . ورغم القناعة العميقة بضرورة إيجاد مساحة من الحرية للمبدع والكاتب لإنتاج كتب وروايات ودواوين تثري المكتبة العربية بها رفوفها الشبه فارغة نتيجة للعديد من الأمور الأخرى المتعلقة بسوق النشر والتوزيع وبمستوى القراءة في العالم العربي عماوما ، لكن مطالب احترام الحد الأدنى من الأخلاق في الإبداع والكتابة كانت بالمرصاد لمثل هذه الكتابات والإبداعات . وقد وجدت هذه المطالب قدرتها على التواجد القوي في مصر خاصة ، بحيث ظهرت توجهات تفرض نمطا معينا من الرؤى الفكرية والأدبية التي يجب أن يستحضرها أي كاتب أو مبدع ، ولم يسلم العديد من المفكرين والمبدعين من عقوبات واعتداءات معنوية ومادية جراء تجرئهم على تخطي هذه الخطوط المرسومة عليهم من طرف لوبي ديني قوي متمثل في الأزهريين وبعض أقطاب الحركات الإسلامية والسلفية في مصر . ونذكر كمثال هنا ما وقع للمفكر والكاتب اليساري والعلماني نصر حامد أبو زيد الذي تعرض للكثير من المضايقات تمثلت في مطالب بتصفيته وتطليق زوجته ، وأيضا ما وقع للأديب الكبير نجيب محفوظ في الاعتداء الشهير الذي أفقده القدرة على الكتابة بيديه لسنين طويلة .إن القاريء لروايات وكتابات الراحل محمد شكري سيجد أن هذا الكاتب يسلك دربا وحيدا وواحدا في خطه الأدبي لا يكاد يخالفه في أغلب كتاباته . بحيث أن أغلب إبداعاته تنحو منحى نقديا لواقع مجتمعي مهمش ، بل يريد من خلال أدبه أن يفضح واقعا مجتمعيا غارقا في الفساد والشذوذ والأمراض الاجتماعية الكثيرة الموجودة فقط في مخيلته ، وكأن أي مجتمع عنده لا يمكنه أن يتميز بما يخالف رؤيته هذه . لقد كتب محمد شكري أغلب كتبه ورواياته في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ( ق . 20 ) ، وهذا القرن لم يكن يعرف كل هذه الأمور التي ذكرها محمد شكري ، بل كان قرنا مازالت المجتمعات العربية لا تقبل كل هذه الأمراض والتجاوزات الأخلاقية ، بل إن روايته ( سيرته ) " الخبز الحافي " والتي بعد قراءتها يحس المرء وكأنه يعيش في مجتمع غارق في كل هذا الدرن والفساد الأخلاقي والاجتماعي ، بل نقل لنا واقع أسرة مغربية ( أسرته هو ) من ستينيات القرن العشرين مفككة وغارقة في كل أنواع الرذيلة . وبهذا لا يمكننا أن نذهب معه في هذه الرؤية ، فحتى لو وجد شخص أو أكثر في أسرة ما فاسدا فهذا الأمر لا يمكنه أن ينطبق على جميع أفرادها .إن كتابات محمد شكري تكاد تكون متشابهة في رؤيتها الأدبية للمجتمع المغربي المعروف بمحافظته المفرطة ، ولذلك نراه قد جنى على هذا المجتمع الذي ينتمي إليه هو ، وما عمله هذا المفرط في النقد اللاذع سوى فعل يريد من ورائه شيئا آخر قد ندخله ضمن طلب الشهرة والمال والجاه في عالم يبحث عن مثل هذه الخرجات وهذه الكتابات التي تضرب قيم المجتمع ودينه وأخلاق أفراده . ولقاريء روايات محمد شكري أن يتبين هذه الأمور ، وحقيقة فبعد قراءتي لأغلب رواياته وجدت أن محمد شكري لم يكن منصفا في رؤيته للمجتمع المغربي في زمان كان هذا الأخير مجتمعا محافظا ومتماسكا بين أفراده ، وحتى هذه الفلتات التي أتى بها وعلى ذكرها كانت قليلة جدا سرعان ما يتم التغلب عليها ، بل لا يستطيع الخارج عن الأخلاق والقيم المجتمعية والدينية أن يجهر بفعله وإلا حصد حقد الناس جميعا ، وبذلك يمكننا أن ندعي بأن الكاتب قد مارس الخيال في كتاباته أكثر من الحقيقة والنقد البناء لواقع مجتمعه .ونمر إلى مسألة منع رواياته بمعرض الكتاب بالقاهرة لنقول بأن للقائمين على المعرض أن يروا ما يناسب رؤريتهم القيمية والثقافية والأخلاقية . وفي الحقيقة ورغم كرهي للمنع والحظر على الإبداع لكنني أجد نفسي هنا مضطرا إلى عذر القائمين على هذا المعرض ، بحيث أجد عذري له مبررا مادمت لا أحتمل بقاء رواية " الخبز الحافي " في مكتبتي الشخصية بمنزلي وتزيينها بها لأنها رواية لا ترقى إلى مستوى روايات كتاب مبتدئين تعالج قضايا حساسة ومهمة عوض الحديث عن الشذوذ والدعارة والعادة السرية .... وغيرها من الأمور التي تمرض العقل والقلب .قد يقول البعض بأنني متزمت في رؤيتي هذه ، ولكن في الحقيقة لا أرى أن هناك تزمت في هذه الرؤية . فلا يعقل لهؤلاء أن يطالبوا بمقاطعة معرض تدنسه إسرائيل بحضورها فيه كمعرض باريس بفرنسا أو بمعرض تورينو بإيطاليا ، ولا يدعمون قرار معرض دولة عربية ( إسلامية ) تريد منع روايات فاسدة فارغة من أي إبداع وأدب حقيقي . ولا يمكن انتقاد رواية لكاتب شاذ كعبد الله الطايع المغربي وقبول روايات لمحمد شكري لا تختلف عن هذه الرواية في موضوعها ورؤية كاتبها . ومن هنا يمكننا تقبل هذا المنع وهذا القرار الذي اتخذته إدراة المعرض .
_ 1 _ تقاتلتم يا عرب الأمسِ
من أجل جرعةِ ماءْ .
ومن أجل امرأةٍ وبعيرْ .
ومن أجل كسرةِ خبزٍد
ومن أجل هندٍ ...
وليلىَ ... وأسماءْ .
وبثينةَ .... وفاطمةَ ... وعبيرْ .
ثم تركتم إرثا غنياً لناَ ....
من الحقدِ بيننا
ومن الجرحِ والقمحِ والشعيرْ .
وتركتمْ جنوداً معاقينَ جسدياً
وعساكرَ معاقينَ عقلي
اًوابنَ شاعرٍ سكيرْ .
ونساءً كإناثِ الخيلِ
لا يسمعنَ إلا لصوتِ الأميرْ .
وصوتِ حاجبهِ ....
وصوتِ الوزيرْ ....
_ 2 _
_نمتمْ كثيراً يا عربَ الأمس
حتى أصبح الشاعرُ يصيحْ .
ومات كل الأنبياءِ والأولياءِ
وتولى المسيحْ .
وملكَ سرةَ الوطنِ الذبيحْ .
علهُ يسكُنُ إلى جوارهِ
وينسيه أيامَ الزمنِ الكسيحْ .
وعقلَ العربِ القبيحْ .
لكنه أتخمَ الوطنَ هزائمَ لا تحصى
وتركه كعصفورِ جريحْ .
_ 3 _
ليس صحيحاً ما تدعونْ .
أنكم ملكتمْ إمبراطوريةً عظيمهْ .
واستشهدتمْ بكتبِ التاريخِ القديمهْ .
فهل حقاً تعطونَ للتاريخِ قيمهْ ... ؟
_ 4 _
خرجتم يا عربَ الأمسِ
من كل حربٍ
خاسرينَ آلافَ الأشياءْ .
آلافَ الرجالِ الأقوياءْ .
آلافَ الخيولِ وآلافَ النساءْ .
_ 5 _
عربُ اليومِ عنكمْ يكتبونْ .
مئاتِ الكتبِ والدواوينْ .
لكنهمْ حذرونْ .
أن يقعوا فريسةً للتجربةِ
وللقدوةِ التي يدعونْ
.وخائفونْ .
إذا ما دعوا
إلى أمرٍ عظيمٍأحقاً يذهبونْ ..... ؟؟؟

jeudi 27 mars 2008

في حوار مع الباحث والمترجم والقاص المغربي : محمد سعيد الريحاني : أجرى الحوار : سليمان الحقيوي ومحمد العناز :

سؤال: منذ صدور مجموعتكم الأولى، "في انتظار الصباح"، سنة 2003 يبقى اشتغالكم على لعبة الضوء (الأبيض والأسود) انطلاقا من أغلفة صور المجاميع القصصية وانتهاء بمحتويات النصوص، ما هي تفاصيل هذا الوعي الجمالي؟


جواب: لو لم أكن كاتبا، لكنت، بكل تأكيد، فنانا تشكيليا. فقد تربيت على يد أخت فنانة جادت علي بكل ما اكتسبته من حب للجمال ومهارة في نقله بالخط واللون والكلمة. ولأسباب تتعلق بصغر سني (15 عاما آنذاك)، لم تسمح لي عائلتي بالسفر إلى مدينة بعيدة كطنجة لتحويل هوايتي إلى دراسة. لكن، رغم عدم استكمالي لمسار كنت أتمناه وهو الفنون التشكيلية، فإن عشقي للوحة لم يتوقف ما دامت الحياة مستمرة. فلا زال الفن يدب في عروقي لدرجة لا أقبل فيها، الآن بعد دخولي عالم النشر الورقي، بتصميم غيري لأغلفة كتبي...
ولعل اهتمامي بالفن ظاهر في نص "حديث غراب" حيث نقرأ بعض المفاهيم من المعجم الفني التشكيلي كما في هده الفقرة:

"سُتنَصَبُ حاملَ اللوحة وتُخرِج أدوات الرسم والتلوين من حقيبتك استعدادا للعمل وتجلس لترتيب الأصباغ على حاملة الألوان.
(...)
الطــبـيعة أمام عينيك صامتة، مـيتة... إنما المنظر متوازن وجيد التأطير: الأشجار على حافتي اللوحة تقف إطارا لها تسمر في خلفيتها القريبة بغل محمل بالأثقال، أما في خلفيتها البعيدة فــترعى ثيران مغلولة القوائم، يجر أقواها من القرنين عبد من عبيد الضيعة، ويتقدم به نـحو واجهة اللوحة…
يتبع الثور العبد دون عصيان ليربطه في جذع شجرة مقطوعة، قبالتك، في منتصف اللوحة،في انتظار الآتي..."

(مقتطف من نص "حديث غراب" عن المجموعة القصصية "في انتظار الصباح" الصادرة سنة 2003، الصفحة 30)

ربما على هده الخلفية، يمكن قراءة حضور الضوء والظل بدء من "تصميم الأغلفة" ومرورا ب"تشكيل النصوص" وانتهاء بتقسيم المجاميع القصصية المنشورة إلى "مجاميع فاتحة" و"مجاميع داكنة".
الضوء والظل يعادلان في معجم رموز اللاشعور الجمعي الإنساني للمنطوق والمسكوت عنه في النص، للمركزي والهامشي في الموضوع، للواعي واللاواعي في الخطاب...
الضوء والظل يحتلان قيمة رمزية في نصوصي كما يمكناني من تنشيط التقابلات التي أشتغل عليها بنجاعة ما بين الوجود والعدم، التطور والثبات، الفعل واللا فعل، الواقع والمثال، الحياة والموت ، القول والفعل، الوضوح والغموض، اليقين والشك، الاستقرار والتيه، الإنفتاح والتطرف، الفرد والمجتمع، الحب والكراهية، الحرب والسلم، المنطوق والمسكوت عنه...


سؤال: تذكرنا قصتك الجميلة "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" بالسخرية المرة في قصص زكريا تامر، ما هي حدود التقارب والتباعد بينهما؟
جواب: الأحجية كانت أولى العربات التي قادتني إلى عالم الحكي إلى جانب النكتة التي تظل العربة الثانية. فقد كنت، في فترة مراهقتي، أحفظ عن ظهر قلب أغلب النكت المتداولة. بل كنت ماهرا في التصرف فيها نصيا كما كنت أولي شكل العرض الجسدي للنكتة عناية خفية. ولعل من الآثار الظاهرة للنكتة في نصوصي القصصية الراهنة هي"السخرية"، هذه الأداة السردية والأسلوبية الفعالة القادرة على توليد القراءة المناسبة للنص وإيقاظ القارئ ذاته.
إن السخرية أسلوب فني وظيفته "قلب" تذوق الحياة و"قلب" الرؤية للعالم وللوجود. بل إن السخرية لا تكتفي بقلب الرؤى والقناعات والتوقعات. إنها أسلوب في التعبير وشكل من أشكال دعم «تعددية المعنى» في النص الذي يحتمل أكثر من قراءة وأكثر فهم. وبذلك تصبح السخرية منارة لعوالم نغفلها بفعل العادة والكليشيهات والرغبة في الحفاظ على خطاب واحد "جدي"، وتنقلنا إلى ما وراء القراءة الواحدة للواقع وللوجود بتمكيننا من لزوم المسافة من الخطاب المسرود. وهي فرصة ثمينة لاختبار الرؤى وتقييم الأحكام والقناعات. وللسخرية أدوات عديدة أهمها:
أولا، تقنية السارد المغفل ironic persona=) ( حيث السارد لا يعلم مصيره وباقي الشخوص يعلمون كما في نص "الرجل الأرنب" من مجموعتي القصصية "موسم الهجرة إلى أي مكان" (2006) .
ثانيا، تقنية التضاد بين رؤية الشخصية للوضع وحقيقة الوضع في الواقع (=Situational irony) كما في نص "أرض الغيلان" من مجموعتي القصصية "في انتظار الصباح"(2003) .
ثالثا، تقنية "السارد الدنيوي" ( (dramatic irony= الذي يعرف القراء مصيره بينما يجهله هو بمعية بقية الشخوص كما في نص "حالة تبلد" من مجموعتي القصصية "موت المؤلف".
رابعا، تقنية التنافر بين القول والمقصود، بين الدال والمدلول ((verbal irony= كما في نص "الحياة بالأقدمية" من المجموعة القصصية " موسم الهجرة إلى أي مكان "(2006).
وأود بالمناسبة أن أشير إلى أنني، في سبيل تثبيت قراءة جامعة ومبوبة لأعمالي، سأعمل على طبع مجاميعي القصصية في مجلدات، في "أعمال كاملة"، وستبوب مجلدات الأعمال الكاملة إلى صنفين: "مجاميع قصصية داكنة" و"مجاميع قصصية فاتحة" .
"المجاميع القصصية الداكنة" وهي المجاميع التي بدأت بها مشواري الإبداعي والتي هيمن اللون الأسود على أغلفتها والسخرية على أساليبها والتوق للحرية على مضامينها. وهده المجاميع القصصية هي "في انتظار الصباح" و"موسم الهجرة إلى أي مكان" و"موت المؤلف" و"وراء كل عظيم أقزام" و"حوار جيلين" (المجموعة المشتركة مع القاص المغربي إدريس الصغير).
أما الصنف الثاني من مواد الأعمال الكاملة، فَسَيُجَمََعُ ضمن مواد مجلد آخر بعنوان "مجاميع قصصية فاتحة" وهي المجاميع التي سأختم بها تجربتي في الكتابة القصصية والتي سيستبدل فيها اللون الأسود على الأغلفة بألوان أكثر تعددية ومُغايَرَةً وستفسح الحرية مجالا أرحب للحب والحلم وستنجلي السخرية، موضوع سؤالكم، ليحل محلها "الخلاص". والمجاميع القصصية المندرجة تحت هذا "الصنف الفاتح" من الأعمال القصصية هي "هكذا تكلمت سيدة المقام الأخضر" و"كما ولدتني أمي" و"كيف تكتبين قصة حياتك"...


سؤال: نصكم القصصي الموسوم "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" يخرج عن الخطاطة السردية التي تتضمن الاستهلال والحدث والوضع والمدخل ثم النهاية، إذ أن حالة اللا توازن هي المهيمنة في النص بأكمله والسارد عبر تقنية التكرار يعتمد خلخلة أفق انتظار المتلقي، كيف تعلل ذلك؟

جواب: نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي"، من بين كل النصوص القصصية التي كتبتها، يبقى النص القصصي الوحيد الذي تعدى عند نشره حاجز الأربعين منبرا إبداعيا عربيا، بين رقمي وورقي، وأنا سعيد بذلك.
أغلب الكُتََاب يقاومون الحديث عن نصوصهم وأعمالهم ليس من باب التواضع ولا من باب الإيمان بأن النصوص "تنكتب" لوحدها. إن الكُتََاب يقاومون الحديث عن نصوصهم وأعمالهم لسبب بسيط وهو أنه ليس بمقدورهم الحديث عن أعمالهم ب"موضوعية" ما داموا لحظة الكتابة يكونون أسرى الذاتية وأسرى رؤية أعمالهم من الداخل. ولذلك، اعتقد بأنني، بعد مرور سنوات على كتابة هدا النص، أستطيع الحديث عنه ك"قارئ" متجرد من كل "ذاتية".
أعتقد أن أربع خواص تميز نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي": أولا "الاحتفال بالرمز" أي الاسم الفردي، وثانيا "الكاليغرافية" أي محاولة تجسيد المضمون بصريا، وثالثا "خاصية القصر" أي قلب البطولية والعظمة التي يمكن أن تحيل عليها عظمة المدينة واسم حاكمها العظيم، ورابعا "التكرارية الوظيفية".
ف"الاحتفال بالرمز"، العنصر الأول من العناصر الأربعة المتحكمة في خيوط نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي"، يستمد، مثل سائر نصوصي التي يكون فيها الاسم الفردي هو الشخصية المحورية، مبرر وجوده ومقوماته الفكرية ورمزيته الإبداعية من كتابي الأول "الاسم المغربي وإرادة التفرد" سنة 2001 والذي اعْتُبِرَ في حينه أول دراسة سيميائية للاسم الفردي العربي. وقد تم توظيف هدا الاسم الفردي بالذات، "الحجاج بن يوسف الثقفي"، نظرا للإجماع التاريخي القوي على ارتباطه بالظلم والتنكيل والبطش والتعصب للرأي الواحد. وبدلك، هيمن "الاسم الواحد"، اسم "الحجاج بن يوسف الثقفي"، "اسم الحاكم المطلق" على كل شبر من الأرض وكل نسمة هواء وكل جملة وكل فكرة وكل صورة... فصادر ملامح الناس لتبقى ملامحه هو، وحول كل الأحياء إلى مجرد عابرين في الحياة ليبقى وحده الخالد السرمدي الأزلي...
أما العنصر الثاني، عنصر"الكاليغرافية"، فيبقى أحد تجليات شغفي بمصالحة شكل النصوص بمضمونها. وعلى ضوء ذلك، فقد افتتح نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" بمحاولة للمصالحة بين شكل العرض ومضمونه بحيث نلمس عند بداية النص "رسما كاليغرافيا" لمثلث مقلوب، رمز تصحيح هرمية غير مناسبة، بحيث تبدو قاعدة المثلث في الأعلى والرأس في الأسفل يصبح معها النص الشذري المكتوب داخل المثلث المقلوب كسهم يشير لجهة الدخول للنص. أما النص الشذري المكتوب داخل المثلث فلم يكن غير الشعارات المكتوبة على السبورات الحديدية الراسية على جانبي الطريق لاستقبال الزوار من السائقين خلال دخولهم "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" كما نقرأ هنا:

"من أجل مدينة حجاج بدون دور صفيح في أفق 2999"،
" من أجل مدينة حجاج بدون رشاوي في أفق 2999"،
" من أجل مدينة حجاج بدون بطالة في أفق..."،
" من أجل مدينة حجاج بدون سجون في..."،
" من أجل مدينة حجاج بدون ..."
" من أجل..."
"..."
(مقتطف من نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" عن المجموعة القصصية "موسم الهجرة على أي مكان" الصادرة سنة 2006، الصفحة 25)

وتضيع الشعارات عند نهاية المثلث المقلوب مع بداية ضياع السارد في هده المدينة العجائبية، "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي"...
أما بالنسبة للعنصر الثالث من العناصر الأربعة المهيمنة على النص فيبقى عنصر "القصر" سليل ثقافة "المينيمالية" لكن استثماره في النص كان لغاية فنية تتقصد تضمين الموقف في الشكل من خلال قلب مفهوم "العظمة" و"الأسطورية" و"الجلال" التي قد يتوقعها القارئ منذ أول وهلة من خلال قلب الحجم المتوقع ومن خلال قلب أشياء أخرى كثيرة...
أما العنصر الرابع، "التكرارية الوظيفية"، فيبقى أداة أسلوبية أثبتت فعاليتها على مر تاريخ الإنتاج الرمزي عموما. ونجاعة "التكرارية" رهينة بالسياق العام الذي تشتغل فيه: فالتكرارية في المدارس تفيد التلقين وحفر المعارف في ذاكرة المتعلم، وفي السيرك تفيد التكرارية الترويض لتعويد الحيوان المتوحش على صفته الجديدة كخديم للفرجة والتسلية، وفي خطابات الوعظ تتقصد التكرارية التهييج والتحريض والتثوير، أما عند الصوفية فتساعد تكرارية الإيقاع والحركة والتسبيح على تجميد العقل قصد السمو بالروح على خلفية أن السمو بأحد القطبين، العقل والروح، يقتضي تجميد الآخر...
ولدلك، أعتقد أن وظيفية تكرار عبارة "الحجاج بن يوسف الثقفي" اثنين وعشرين مرة (22 مرة) في نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي"، أو "مدينة الحاكم المطلق" كما سماها البعض، تنهل رمزيتها من الوظائف المذكورة آنفا.


سؤال: يشكل الوصف أحد المكونات في لتجربتكم السردية، غير أنه في كثير من القصص لا يضطلع بوظيفة المحفزات بل بوصفه من الثوابت الأساسية لعوالمكم السردية، هل يتعلق الأمر باشتغال على اللغة؟

جواب: مجموعتي القصصية "موسم الهجرة على أي مكان" الصادرة سنة 2006 تفتتح موادها القصصية بشهادة حول فلسفتي في الكتابة القصصية. فعلى الصفحتين السادسة والسابعة يمكنك قراءة الفقرة التالية:
" قارئ أعمال الروائي الأمريكي أرنست هيمنغواي يستطيع بسهولة رصد أسلوبه المتميز بجمل بسيطة قد تطول أحيانا بسبب ميله الظاهري لاستعمال "واو العطف". والمتتبع لأعمال الأديب والفيلسوف الفرنسي ألبيرت كامو يقرن بين الرجل وأعماله وجمله القصيرة جدا. والمقبل على روايات الكاتب الأمريكي ويليام فولكنر يستعد مسبقا لقراءة جمل طويلة متحررة من قيود القواعد والخوف من ارتكاب الأخطاء مادامت مجرد أفكار في رؤوس الشخوص الروائية...
السائد، إذن، هو أن الأسلوب هو الرجل. لكنني أعتقد أن نصوصي ضد النمطية، ضد كل أشكال النمطية. فالنص هو ما يجب أن يحدد الشكل القصصي، أي أن يكون الشكل الفني منسجما ومضمون النص: ان يكون للنص هوية في ذاته، لا أن يكون الشكل دلالة على هوية خارجية هي هوية كاتبه.
التقنيات والطرائق الأسلوبية والسردية يجب أن تنبعث من رحم النص الإبداعي، لا أن تفرض عليه من الخارج. لكل نص شكله الخاص وأساليبه الخاصة وطرائقه الخاصة."
(مقتطف من الشهادة المنشورة في مستهل أضمومة "موسم الهجرة على أي مكان" الصادرة سنة 2006، الصفحة 6-7)

أعتقد أن الثابت الوحيد في كتاباتي هو هاجس البحث عن الشكل السردي المناسب لمضمون النص السردي وأحيانا ثانية هاجس إيجاد المضمون الحكائي المناسب لشكل قصصي يريد التحقق. لهذا، فالوصف والحوار والسرد والشخوص والفضاء والزمان والمنظور والأسلوب واللغة ليست ذات قيمة في حد ذاتها. إنها تستمد قيمتها من وظيفتها داخل البنية العامة للنص. ففي الوقت الذي يهيمن فيه الوصف على نص "كلاب" الذي يُعْرَضُ على القارئ بواسطة "عين الكاميرا التصويرية"، يسيطر الحوار على نص "شيخوخة"، بينما يبقى السرد سيد الموقف في نص "الحياة بالأقدمية"، في الوقت الذي يتحكم في الزمن في رقاب مكونات نص "الأبدية"...


سؤال: يُلاحظ انك تركز على الجمل الخبرية وتبتعد بأكبر قدر ممكن عن أدوات الربط وحروف العطف، هل يتعلق الأمر بثورة على موروث سيبويه؟

جواب: "لا نمطية في كتاباتي"، على الأقل من حيث المبدأ. وربما قدم نص "إخراج تافه لمشهد تافه" الدليل الواضح على هذا المبدأ الذي ألتزم به في كل كتاباتي الإبداعية. فالأسلوب، بالنسبة لي، ليس هو الكاتب ولكن "الأسلوب هو شكل المضمون". وما دام المضمون يتغير من نص لنص فمن الضروري أن يتغير الأسلوب من نص لآخر.
في نص "إخراج تافه لمشهد تافه"، وهو بالمناسبة "باروديا" Parody لواقع العمل الجمعوي في بلداننا العربية، يمكن من خلال المداخلات الأربع التالية رسم صورة المتدخل وطريقة تلفظه وشكل تفكيره. نص "إخراج تافه لمشهد تافه" يبقى أهم نص قصصي قصير كتبته يتميز بالتعددية الأسلوبية ويعي وظيفيته وقدرته على نقل الموقف من خلال الأسلوب. وفي هدا الصدد، يمكننا أن نقرأ:

"لائحة المداخلات :
* المداخلة الأولى:
في. البداية. أود. أن. أشد. بحرارة. على. يد. جمعيتنا. العتيدة. على. مجهوداتها. الجبارة. فداء.للمصداقية. و. الإشعاع. و. التنوير. تحت. قيادة.السيد. رئيس. الجمعية. أطال. الله. في. عمره. و. أدام. على. الجمعية. سديد. أفكاره. و. لا. يفوتني. أن. أهنيء.الجمهور. الكريم. على. هذا. العرض.التاريخي. الذي. س. يتذكرونه. ما. داموا. على. قيد. الحياة. وشكرا.
* المداخلة الثانية:
تحية للأستاذ أبجد هوزحطي الذي تفضل مشكورا بهذا العرض الشيق والرصين، في آن، عن حرية التعبير. وأنا لما أقول الشيق والرصين فأنا لا أقصد اللعب على الألفاظ والجمع بين المتضادات بقدر ما أقصد قدرة الأستاذ المحاضر على الإحاطة بكامل جوانب الموضوع. بمعنى آخر ،شمولية الرؤية للموضوع. وأنا لما أقول شمولية الرؤية للموضوع فأنا لا اقصد استعارة معاجم الفاشية والأنظمة الشمولية بقدر ما أقصد الرؤية المتعالية عن كل إيديولوجيا أو تحيز مسبق. بمعنى آخر، الحقيقة. وأنا لما أقول الحقيقة، فأنا لا أقصد ... بقدر ما أقصد ... بمعنى آخر... وانا لما أقول... فأنا لا... بقدر ما... بمعنى آخر...
* المداخلة الثالثة:
قبل كل شيء، أود في البداية، أن أقول، بكل ثقة في النفس، أنه ، حسب رأيي المتواضع، وأنا لا أدعي علما، أنه، فضلا عما سبق التطرق إليه والتفصيل فيه في هذه المحاضرة القيمة والغنية والمفيدة ،يمكن كذلك القول والجزم، مع قليل أو كثير من التحفظ، وليس في ذلك حرج ، أنه كان بالإمكان، وهناك دائما إمكانيات، إضافة أشياء أخرى، وشكرا.
* المداخلة الرابعة:
من حيث المبدأ، ليس هناك أبدع مما قيل. خاصة وأنه كان يجب كذلك دونما من حيث هو فضلا عن ذلك ولعل ما أو ربما صار وشكرا."
(مقتطف من نص "إخراج تافه لمشهد تافه" عن المجموعة القصصية "موسم الهجرة على أي مكان" الصادرة سنة 2006، الصفحة 32-33)

"لا نمطية في كتاباتي" و"لا نمطية في فكري" و"لا نمطية في سلوكي". أنا أكتب رأيي ويهمني كثيرا الشكل التعبيري الذي اختاره لتحقيق هده الآراء جماليا. لا أدعم أي اتجاه إبداعي ينتصر لشكل ثابت لنقل كل المضامين كما لا أؤيد أي توجه يدافع عن مضمون ثابت صالح لكل الأشكال.


سؤال: كيف يستطيع محمد سعيد الريحاني القاص أن ينفلت من محمد سعيد الريحاني الناقد؟

جواب: لا اعتقد أن علاقتي بذاتي هي علاقة مطاردة الناقد للقاص أو العكس. أعتقد أنني أسعى إلى بلورة مشروع جمالي أشتغل في ضوئه على رسم معالم الحياة كما أريدها. وبدلك يذوب الناقد في القاص كما يذوب القاص في الناقد.


سؤال: حظي عملك الموسوم بالحاءات الثلاث باهتمام المتتبعين بالشأن الثقافي خاصة منه السردي لماذا اخترتم التركيز على تيمة الحرف "حاء"؟ هل يتعلق الأمر بخطوات منهجية أم برؤية خاصة؟

جواب: لقد تم تجريب عدة أشكال من الشعرية: شعرية جنس أدبي بعينه، ثم "شعرية القصر"، ثم "شعرية الناقص"... والآن، يتم تجريب "شعرية الحرف الخلاق" التي تنفست برئة العديد من الإصدارات المتميزة ك "نون النسوة"، "حاءات متمردة"، "الحاءات الثلاث"...


سؤال: الترجمة رهان صعب، لكن وأنتم مقبلون على ترجمة هاته الحاءات، ما هي الإكراهات التي تصادفكم في هذا المشروع؟

جواب: رواد الفلسفة الوجودية الأوائل اعتبروا أن الإنسان "أُلْقِيَ به في هذا العالم بلا حماية ولا رعاية ولا أمن ولا نظام وأنه عليه تدبر أمره لوحده". وربما كان هذا حاليا هو حال الغيورين على الثقافة العربية من محققين وموثقين ومؤلفين ومترجمين الذين يعتمدون على مجهوداتهم "الذاتية" وتمويلهم "الذاتي" في إنجاح مشاريعهم "الذاتية" التي "لا تهم أحدا سواهم".


سؤال: هل يعني ذلك أننا نشهد النهاية التراجيدية لزمن الكتاب الورقي؟ وهل حقا يشكل الكتاب الإلكتروني بديلا جديرا بالاهتمام؟

جواب: كتب رولان بارث مرة "أفق الناقد هو أن يصبح كاتبا". وإذا كان الأمر لا زال كذلك في زمننا الرقمي هدا، فإنني أود أن أضيف أن "أفق الكاتب الرقمي هو أن يصبح كاتبا ورقيا". وبالمثل، يبقى "أفق الكتاب الإلكتروني هو أن يصبح كتابا ورقيا منشورا". ففي رأيي المتواضع، يبقى الكتاب الإلكتروني حاليا مجرد جسر عبور نحو الورقية لعدة أسباب تهم مراكز الخلل في جسم الكتاب الورقي أهمها: عدم قدرة الناشر العربي الورقي على المغامرة بطبع نسخ تفوق ألف نسخة، ضعف التوزيع، سلطة الرقابة، هيمنة العقلية القبلية والحزبية لدى النقاد الورقيين، تفشي الأمية لدى عموم المواطنين، استفحال ظاهرة "القُرََاء الصََدِئِينَ" الذي تخلوا عن القراءة بمجرد الحصول على الشواهد أو على فرص عمل...
في أجواء ضعف الكتاب الورقي العربي هده، طور الكتاب الإلكتروني مسارا مغايرا تفاعل من خلاله مع القراء رغم بعد المسافات وتواصَلَ معهم فوق ظهر الرقيب والسياسي والعراقيل وصناع العراقيل... وبدلك صار الكتاب الإلكتروني يقوم بأربع وظائف:
الوظيفة الأولى، وهي وظيفة تشاركية يهدف من خلالها الكُتََاب الرقميون إلى نشر "مسوداتهم" أو "مشاريعهم الإبداعية" مباشرة على الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) بغية تلقي الملاحظات والتصويبات والتدقيقات في أفق تطوير العمل قبل نشره ورقيا.
الوظيفة الثانية، وظيفة ربحية وتهدف إلى بيع النسخة الرقمية من الكتاب الورقي الذي يصعب إيصاله إلى مناطق بعينها على الكوكب الأرضي. وقد قامت لهدا الغرض مكتبات إلكترونية متخصصة في بيع الكتاب الإلكتروني.
الوظيفة الثالثة، وظيفة إشهارية وتسويقية و تهدف للتعريف بصدور الكتاب ورقيا في أفق إيصاله إلى أبعد القراء بعد الحصول على وصل إيداع وحماية حقوق الملكية.
أما الوظيفة الرابعة والأخيرة، فأصبح معها الكتاب الإلكتروني احتياطيا مهما للكتاب الورقي عند تعرض هدا الأخير المنع كما حدث مع رواية دان براون الدائعة الصيت "شفرة دا فنشي" التي منعت النسخة الورقية عربيا ولكن النسخة الالكترونية عرفت تنزيل مليون نسخة من طرف قراء عرب تعتبرهم الإحصائيات عزوفين عن القراءة!...


سؤال: يحضر محمد سعيد الريحاني عبر مختلف الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية قاصا ومثقفا يساءل إشكالات القراءة وأزماتها ويكشف ملف التلاعب بمصائر رجال التعليم، ما هي تفاصيل هذا الملف؟

جواب: ملف التعليم كان دائما جرحا مفتوحا مند الاستقلال السياسي للمغرب ولا أدل على دلك من عدد الوزراء الدين تناوبوا على هدا القطاع لدرجة يفوق فيها عددهم نصف سنوات عمر استقلال البلاد. لكني تلمست الجرح بشكل مباشر ولأول مرة خلال مقاطعة امتحانات السنة الجامعية 1989 حيث صارت مشاهدة حلقيات هن وهناك في الشوارع العامة يسيرها مسئولون كبار في الإقليم يتحلق حولهم طلبة من الانتهازيين وضعاف الخلق ينصتون لمناشدة المسئولين لهم في الشارع أمام الملأ بإفشال المقاطعة مقابل وعود بالإيواء والإطعام في فنادق مصنفة خلال فترات الامتحان وبالنجاح في الامتحان بشقيه الكتابي والشفوي وبمجانية الاصطياف الصيفي في مخيم شاطئ مارتيل بتطوان شمال المغرب. وبالفعل "فشلت" المقاطعة و"نجح" الانتهازيون الدين خرجوا يسخرون من الراسبين ومن المطرودين. كما وفى المسئولون بوعدهم اتجاه "المُنَجََحِينَ" من الطلبة بتوفير إقامة صيفية مجانية على مخيم شاطئ مارتيل.
كان ذلك مع الطلبة، في البداية. لكن، بعد نجاح التجربة تم تكرار الفعل مع الموظفين ممن يقدمون في الحياة العامة ب"رجال التعليم"، وخاصة بعد ميلاد فلسفة "التناوب" سنة 1998 ليصادف بدلك نفس الفئة من الطلبة "المُنَجََحِينَ" سنة 1989 وقد صاروا "رجال تعليم" ينتظرون "التنجيح" مقابل أي خدمة، تماما كما فعلوا عام 1989.
فبعدما كان قطاع التعليم كبوابة لنفي الخريجين الجامعيين لمجاهل الجغرافيا وترويضهم خلال السنوات العشر المعروفة 1986-1995 (راجع بيان أكتوبر السنوي لعام 2007 )، صار التعليم اليوم مكتبا لتوزيع "لاكريمات" و"الترقيات" على الزبناء من أتباع الزوايا والأحزاب والنقابات "الصديقة" ويُخْشَى أن يكون الأمر في جوهره "إرادة مؤسسة" لتحويل رجال التعليم ومعهم كافة المواطنين إلى مجرد انتهازيين ووصوليين كي تسهل إدارتهم.
لقد كانت الزوبعة التي سميت "تكريم رجل التعليم المغربي" تارة و"تقوية الطبقة الوسطى" ثارة أخرى خير مرآة تعكس شكل تسيير القطاع التعليمي بالبلاد. فقد أزكمت روائح فضائح هده التخريجة عموم البلاد لدرجة لم تعد معها الترقية في المباريات في ظل حكومات "التناوب" غير "تنمية للشعور بالذنب" لدى المستفيدين منها من رجال التعليم الدين سيبقون شهودا على هده المرحلة،مرحلة انهيار القيم المهنية، وشركاء في المخطط. ولا أحد يعتقد بأن التعليم في حاجة إلى ترقية "يخجل منها" المستفيدون منها.
لقد بدأ هدا النضال الذي ألخص لكما الآن معالمه وأسبابه وآفاقه قبل خمس سنوات: قبل أن يديل تعليم المغرب من طرف تقرير البنك الدولي للتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في آخر الترتيب الدولي، وقبل شطب تصنيف الجامعات العربية "كلها " من ضمن خمسمائة أفضل جامعة في العالم الذي جاءت جامعتا هارفارد وستانفورد الأمريكيتان على رأس التصنيف بينما جاءت جامعة يورك الكندية في ذيل الجامعات الخمسمائة في الترتيب العالمي، أما الجامعات العربية فخارج التاريخ...
بدأ هدا النضال مع "بيانات أكتوبر السنوية" (2004-2007) التي صارت تقليدا نقابيا سنويا في المغرب. وهو التقليد الذي لم يكن وراءه لا إرادة في التسلق ولا دافع وصولي ولا أي شيء. ما كان يحرك تلك البيانات التي دامت كل هده المدة الزمنية هو فقط إرادة التصحيح ووقف هدا الانهيار الأخلاقي والمهني والثقافي الذي بدأ ينحث مجراه في الجسد التعليمي قبل أن ينتبه له تقرير البنك الدولي للتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لسنة 2007 الصادر في فبراير من هده السنة، 2008 فصنف المغرب في المراتب الأخيرة "عالميا"...
ومن بين "بيانات أكتوبر السنوية" وآثارها خلال الفترة (2004-2007) كان: تغيير نائب وزير التربية الوطنية بالإقليم الذي تصدر منه بيانات أكتوبر السنوية وتغيير وزير التعليم بعد حكم دام 10 سنوات وإلحاق وزارة التعليم بوزارات السيادة ، ثم التحقيق الفضيحة الذي لم يفسح له مجال النشر إعلاميا لقراءته وتداوله ومناقشته حول حقيقة المناصب "الستمائة" من أصل "الألفي منصب المتبارى عليها" من قبل رجال التعليم مند إقامة المباريات حتى اليوم: فقد كان رجال التعليم مجرد مغفلين يتبارون على "مناصب غير موجودة"، ويحررون إجابات على "أوراق امتحان لن تصحح"، ويحسبون معادلات غير ممكنة... ومع دلك، تراهم يصدقون النتائج عند إعلانها ويعودون السنة المقبلة لتكرار التجربة في تمثيلية سيزيفية لا يفسرها سوى تصنيف البنك الدولي للتعليم المغربي عالميا...
كقاص، حرصت دائما على تدوين مواقفي فنيا. لدلك، راكمت نصوصا قصصية لا يستهان بها تؤرخ لرؤاي ومواقفي. فبالإضافة إلى نصي القصصي القصير المعنون ب"كاتب"، يبقى نص "الحياة بالأقدمية" من أقرب النصوص إلي. فالنص الأول "كاتب" يبقى سيرة ذاتية أدبية مثخمة بالجراح بينما يطل النص الثاني "الحياة بالأقدمية" كنص يوظف السخرية بكافة أسلحتها للانتقام للنص الأول. وفي هدا الإطار نقرأ:

"منذ دخلت المدرسة في سن السابعة من العمر وأنا أدرس في كل فصل ثلاث سنوات أعاشر خلالها ثلاثة أجيال. وقد وسعت بهذه السياسة دائرة معارفي لتشمل كل أحياء المدينة. فقد صار لي أصدقاء في كل مكان كما صار لي أصدقاء من كل الأعمار. ولما وصلت قسم الشهادة الابتدائية بعد رحلة الشتاء والصيف التي دامت خمسة عشر عاما، كان لي أصدقاء في القسم الذي أدرس فيه وآخرون في الثانوية وغيرهم في الجامعة أو في مراكز تكوين المعلمين بعضهم اختار العمل معلما رسميا في مدرستي ويتعامل معي كصديق طفولة يتحسر عليها وأنا لازلت أعيشها..."
(مقدمة نص "الحياة بالأقدمية" عن المجموعة القصصية "موسم الهجرة على أي مكان" الصادرة سنة 2006، الصفحة 49)

نص "الحياة بالأقدمية" كتب في الأصل "باروديا" Parody للنخب الجديدة في البلاد التي أطلق عليها في النص "جمعية قدماء كسالى الثانوية الوحيدة بالمدينة". وهده "النخب الجديدة" التي استغلت عزوف المواطنين عن الانخراط الحزبي والنقابي فاندست كالسم في الأجهزة الحزبية والنقابية والجمعوية وبدأت تفرض نمط سلوكها البدوي وأساليب تفكيرها العائد لعصور ما قبل التاريخ وأصبحت توزع التزكيات والتهديدات... مع أنها ليست سوى "جمعية لقدماء كسالى الثانوية الوحيدة بالمدينة".
وسرعان ما جاء دوري لأتعرض لتهديد حمله لي أحد "الأساتذة الأفاضل" زملاء العمل بتاريخ 13 أكتوبر 2004 وهو التهديد الذي يحمل توقيع "مسؤول نقابي محلي" كان ولا يزال يخلط بين مسؤولياته النقابية ومسؤولياته المافيوية.
ولي قصص كثيرة مع مثل هؤلاء ممن كان الرومان يسمونهم "هَمَجاً" Les Barbares. فمند دخولي تجربة الكتابة سنة 2001 بالشكل "الحر" ، "غير المنبطح" الذي لم يرق للكثيرين ، بدأ الاعتداء علي بعدة أشكال: أولها الإشاعة ؛ ثانيا بالمضايقة في الترقية المهنية مند 2003 حتى اليوم؛ ثالثا بالاعتداء علي لأول مرة في حياتي في الشارع الرئيسي لمدينتي وتحت الأضواء الساطعة من طرف كائنات مقنعة ومسلحة في شتنبر 2004 ؛ ورابعا بإرسال أحد عرابي فرع محلي لإحدى النقابات بمدينتي تهديدا بالاعتداء علينا جسديا؛ وأخيرا بالاعتداء علينا "رمزيا" بكتابة مقالات رديئة في مواضيع رديئة وبأسلوب رديء ومستوى رديء هدفه الحط من حضوري الثقافي لكن توقيع المقالات يكون باسمي الكامل كما يدل على دلك نص الرسالة الموجهة بتاريخ 16 مارس 2008 إلى رئيس تحرير الجريدة التي نشرت سلسلة المقالات الموقعة باسمي على مدى ثلاث سنوات...



سؤال: هل آن أوان الهجرة نحو الرواية؟

جواب: أنا لا أعتبر الكتابة في مجال القصة القصيرة مجرد عتبة لتجريب الكتابة السردية أو مجرد مرحلة تسخينية لدخول تجربة الرواية. بالنسبة لي، الهجرة بمعنى "الحريك" نحو الرواية أمر غير وارد حاليا، فأنا مرتاح جدا في بيت القصة القصيرة. أما المراوحة بين الكتابة القصصية وتجريب المغامرة الروائية، فأتمنى أن تشاركني بمعية قرائكم سعادتي بقرب حسمي في موضوع نشر أولى رواياتي "قيس وجولييت"، إن باللغة العربية أو باللغة الإنجليزية أو هما معا.